الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

381

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إشعارا بانتهاء المقصود وتنبيها إلى فائدته ، ووجه الانتفاع به ، والحث على التدبر فيه ، واستثمار ثمرته ، وباعتبار ما تفرع عن هذه الجملة من قوله : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إلخ يقوى موقع الفذلكة للجملة وتأكيد الكلام بحرف إِنَّ لأن حال المخاطبين عدم اهتمامهم بها فهم ينكرون أنها تذكرة . والإشارة إلى الآيات المتقدمة أو إلى السورة ولذلك أتي باسم الإشارة المؤنث . والتذكرة : مصدر ذكّره ( مثل التزكية ) ، أي أكلمه كلاما يذكره به ما عسى أن يكون نسيه أطلقت هنا على الموعظة بالإقلاع عن عمل سيّئ والإقبال على عمل صالح وعلى وضوح الخير والشر لمن تذكر ، أي تبصر بتشبيه حالة المعرض عن الخير المشغول عنه بحالة الناسي له لأن شأنه ألا يفرّط فيه إلّا من كان ناسيا لما فيه من نفع له . وفرع عليه الحث على سلوك سبيل مرضاة اللّه بقوله : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ، أي ليس بعد هذه التذكرة إلّا العمل بها إذا شاء المتذكر أن يعمل بها . ففي قوله : فَمَنْ شاءَ حثّ على المبادرة بذلك لأن مشيئة المرء في مكنته فلا يمنعه منها إلّا سوء تدبيره . وهذا حثّ وتحريض فيه تعريض بالمشركين بأنهم أبوا أن يتذكروا عنادا وحسدا . واتخاذ السبيل : سلوكه ، عبّر عن السلوك بالاتخاذ على وجه الاستعارة بتشبيه ففي قوله : اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا استعارتان لأن السبيل مستعار لسبب الفوز بالنعيم والزّلفى . ويتعلق قوله : إِلى رَبِّهِ ب سَبِيلًا ، أي سبيلا مبلغة إلى اللّه ، ولا يختلف العقلاء في شرف ما يوصل إلى الرب ، أي إلى إكرامه لأن ذلك قرارة الخيرات ولذلك عبر برب مضافا إلى ضمير فَمَنْ شاءَ إذ سعادة العبد في الحظوة عند ربه . وهذه السبيل هي التوبة فالتائب مثل الذي كان ضالا ، أو آبقا فاهتدى إلى الطريق التي يرجع منها إلى مقصده ، أو سلك الطريق إلى مولاه . وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة المزمل . [ 30 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 30 ] وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) لما ناط اختيارهم سبيل مرضاة اللّه بمشيئتهم أعقبه بالتنبيه إلى الإقبال على طلب